يُعدّ هذا التراجع المفاجئ من الفيفا بمثابة انتصار كبير للمنطق السليم وسلامة المشجعين، إذ كانت سياسة الهيئة الدولية الحاكمة في البداية تُقارب الاستهتار بالصحة العامة. وبعد الضجة الواسعة التي أثارها الحظر التام على العبوات الفردية، جاء الإعلان الرسمي من هايمو شيرجي، مدير عمليات كأس العالم، ليُنهي أزمةً كادت تُفسد متعة ملايين المشاهدين المتوقع حضورهم في ملاعب أمريكا الشمالية.
يُسلّط تحليل هذا التغيير الضوء على الصراع الخفي بين المصالح التجارية، ومتطلبات السلامة، وحقائق تغير المناخ.
حالة الطوارئ الصحية في مواجهة الإنكار الأولي
أثارت لوائح الفيفا الأولية، التي حظرت حتى زجاجات المياه البلاستيكية الشفافة القابلة لإعادة الاستخدام سعة لتر واحد والتي سُمح بها في البداية، غضبًا عارمًا بين مجموعات المشجعين، وعلماء المناخ، وشخصيات سياسية بارزة. مع توقعات الأرصاد الجوية بارتفاع درجات حرارة البصيلة الرطبة في المدن المضيفة بجنوب الولايات المتحدة، اعتُبر حرمان الجماهير من مصدر ترطيبهم المباشر أمرًا غير منطقي. واتهم النقاد الفيفا علنًا بمحاولة فرض استهلاك المياه المعبأة داخل الملاعب. وأمام هذا الاستياء الشعبي، اضطر الفيفا للتراجع، حيث سيُسمح أخيرًا للجماهير بالمرور عبر البوابات الأمنية بزجاجة بلاستيكية لينة محكمة الإغلاق لا يزيد حجمها عن 590 مل (ما يعادل 20 أونصة، وهو المعيار المحلي).
حل وسط بشأن سلامة الزجاجات اللينة: في حين خفف الفيفا من موقفه بشأن السوائل، إلا أنه لا يزال متشددًا بشأن العبوات لأسباب تتعلق بالسلامة العامة. ولا تزال زجاجات المياه الصلبة، سواء كانت مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ أو الألومنيوم أو البلاستيك الصلب القابل لإعادة الاستخدام، ممنوعة منعًا باتًا في جميع الملاعب التي تستضيف البطولة. وتستند حجة الهيئة الحاكمة إلى بروتوكولات السلامة القياسية لمعظم فرق دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) ودوري كرة القدم الأمريكي (MLS)، والتي تعتبر هذه الأجسام الصلبة مقذوفات خطيرة محتملة على اللاعبين أو غيرهم من المتفرجين في حال حدوث توتر في المدرجات.
خطة شاملة لإدارة الحرارة
إدراكًا منها أن الحق في زجاجة ماء صغيرة واحدة لن يكون كافيًا لحماية الجماهير لساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، أكدت الفيفا مجددًا أن اللجان المنظمة المحلية ستتخذ تدابير استثنائية للتخفيف من آثار الحرارة حول الملاعب وداخلها. ستتوفر مناطق تبريد رذاذي عملاقة، ومراوح صناعية، وخيام تبريد طبية، ونقاط توزيع مياه مجانية في جميع أنحاء محيط الملعب. علاوة على ذلك، سيحرص الحكام على تطبيق فترات الراحة الإلزامية للتبريد في منتصف كل شوط لحماية صحة اللاعبين، وضمان ألا يتحول هذا الاحتفال العالمي إلى كارثة مناخية.








